الشيخ محمد النهاوندي

584

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ - لمّا علم أنّ هذا الإيمان همّهم في طلب الهداية إلى الحقّ في الدّنيا ، ونيل الرّحمة ، والفوز بالسّعادة في الآخرة ، لا في المال والأولاد والحطام الفانية ، بخلاف الكفّار وأهل الزّيغ المتّبعين للمتشابهات ، كما نقل أنّ بعض الوفد « 1 » بعد اعترافه بأنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله هو النبيّ الموعود المنتظر ، قال : إن آمنّا به أخذ منّا أموالنا وذهب جاهنا عند الملوك - بيّن اللّه حال الكفّار في الآخرة ، وهدّدهم بشديد عقابه ، وأنّ أموالهم لا تنجيهم منه بقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا من نصارى نجران ، وسائر صنوف المعاندين للحقّ ، تنقطع عنهم وسائل النّجاة من العذاب في الآخرة ، حيث إنّه لَنْ تُغْنِيَ ولا تجزي أبدا عَنْهُمْ في الآخرة ، أو فيها وفي الدّنيا أَمْوالُهُمْ التي جمعوها واكتسبوها في الدّنيا ، بقصد جلب المنافع ودفع المضارّ عن أنفسهم بها وَلا أَوْلادُهُمْ الّذين يعوّلون عليهم في الخطوب ، ويتناصرون بهم في دفع الكروب مِنَ عذاب اللَّهِ أو من عند اللّه شَيْئاً قليلا من الإغناء ، أو من العذاب . وتخصيص الأموال والأولاد من وسائل الدّفاع والنّجاة بالذّكر ، لكونهما من أهمّها وأقواها ، وتقديم ذكر الأموال لأنّها أوّل عدّة يفزع إليها عند الملمّات . وَأُولئِكَ البعيدون عن رحمة اللّه ، بعد قطع أمنيات الخلاص هُمْ خاصّة وَقُودُ النَّارِ فتشتعل نار جهنّم فيهم كاشتعالها في الحطب والحشائش . وهذا أوضح بيان لكمال ملابستهم بالنّار ، ولسوء حالهم ، وتهويل شأنهم . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 11 إلى 12 ] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 11 ) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 12 ) ثمّ بيّن اللّه تعالى أنّ عادة هؤلاء الكفّار وشأنهم ؛ في التّمادي في الكفر ، وتكذيب الرّسول ، والتّمرّد عن الحقّ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ومثل شأنهم وَ شأن الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من العتاة والمردة ومعاملتهم معك كمعاملتهم مع موسى عليه السّلام وسائر الأنبياء العظام عليهم السّلام .

--> ( 1 ) . وفد نصارى نجران المتقدّم ذكره في أول السورة .